أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
430
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
كفروا سابقين ، أنهم لا يعجزون ، وتكون « لا » مزيدة ، ليصح المعنى . قال الزمخشري - بعد ذكر هذه الأوجه - : « وليست هذه القراءة التي تفرد بها حمزة بنيرة » . وقد رد عليه جماعة هذا القول ، وقالوا : « لم ينفرد بها حمزة ، بل وافقه عليها من قراء السبعة ابن عامر أسنّ القراء وأعلاهم إسنادا ، وعاصم في رواية حفص ، ثم هي قراءة أبي جعفر المدنيّ شيخ نافع ، وأبي عبد الرحمن السّلميّ ، وابن محيصن ، وعيسى ، والأعمش ، والحسن البصري ، وأبي رجاء ، وطلحة ، وابن أبي ليلى » . وقد رد الشيخ عليه أيضا أن « لا يَحْسَبَنَّ » واقع على « أنهم لا يعجزون » وتكون « لا » صلة ، بأنه لا يتأتى على قراءة حمزة ، فإن حمزة يقرأ بكسر الهمزة » . يعني : فكيف تليتم قراءة حمزة على هذا التخريج ؟ قلت : هو لم يلتزم التخريج على قراءة حمزة في الموضعين ، أعني : « لا يَحْسَبَنَّ » وقوله : « إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ » ، حتى يلزمه ما ذكر . وأما قراءة الخطاب فواضحة ، أي : لا تحسبنّ يا محمّد ، أو يا سامع ، و « الَّذِينَ كَفَرُوا » مفعول أول ، والثاني « سَبَقُوا » ، وكان قد تقدم في آل عمران وجه ، أنه يجوز أن يكون الفاعل الموصول ، وإنما أتى بتاء التأنيث ، لأنه بمعنى « القوم » ، كقوله : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ « 1 » ، وتقدم لك فيه بحث ، وهو عائد ههنا . وقرأ الأعمش : « ولا يحسب الّذين كفروا » « 2 » . بفتح الباء ، وتخريجها على أن الفعل مؤكد بنون التوكيد الخفيفة ، فحذفها ، لالتقاء الساكنين ، كما يحذف له التنوين ، فهو كقول الآخر : 2453 - ولا تهين الفقير علّك أن * تركع يوما ، والدّهر قد رفعه « 3 » أي : ولا تهينن . ونقل بعضهم : « ولا تحسب الّذين » من غير توكيد البتة ، وهذه القراءة بكسر الباء ، على أصل التقاء الساكنين . قولهم : « إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ » قرأ ابن عامر بالفتح ، والباقون بالكسر . فالفتح إمّا على حذف لام العلة ، أي : لأنهم . واستبعد أبو عبيد وأبو حاتم قراءة ابن عامر ، ووجه الاستبعاد أنها تعليل للنهي ، أي : لا تحسبنهم فائتين ، لأنهم لا يعجزون ، أي : لا يقع منك حسبان لفوتهم ، لأنهم لا يعجزون . وإمّا على أنها بدل من مفعولي الحسبان . وقال أبو البقاء : « إنه متعلق ب « يحسب » ، إمّا مفعول ، أو بدل من « سَبَقُوا » وعلى كلا الوجهين تكون « لا » زائدة ، وهو ضعيف ، لوجهين ، أحدهما : زيادة « لا » ، والثاني : أن مفعول « حسب » إذا كان جملة ، وكان مفعولا ثانيا كانت « إنّ » فيه مكسورة ، لأنه موضع ابتداء وخبر » . قوله : لا يُعْجِزُونَ العامة بنون واحدة خفيفة مفتوحة ، وهي نون الرفع . وقرأ ابن محيصن « يعجزوني » بنون واحدة ، بعدها ياء المتكلم ، وهي نون الوقاية ، أو نون الرفع ، وقد تقدم الخلاف في ذلك في سورة الأنعام في أَ تُحاجُّونِّي . قال الزجاج « الاختيار الفتح في النون ، ويجوز كسرها ، على أن المعنى « لا يعجزونني » ، وتحذف النون الأولى ، لاجتماع النونين ، كما قال عمر بن أبي ربيعة : 2454 - تراه كالثّغام يعلّ مسكا * يسوء الفعاليات إذا فليني « 4 » وقال متمّم بن نويرة : 2455 - ولقد علمت ولا محالة أنّني * للحادثات فهل تريني أجزع « 5 »
--> ( 1 ) سورة الشعراء ، آية ( 105 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 510 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) انظر شرح المفضليات ( 1 / 164 ) ، الوساطة ( 319 ) ، البحر المحيط ( 4 / 511 ) .